“صوّتوا لنا لأننا لسنا الألمان”.. دبلوماسية ساخرة تشعل المنافسة بين فيينا وبرلين في الأمم المتحدة

النمسا ميـديـا – فيينا:

تشهد أروقة الأمم المتحدة صراعاً دبلوماسياً شرساً وغير معتاد بين الجارين والحليفين الوثيقين، فيينا وبرلين، للفوز بمقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي لعامي 2027-2028، وذلك في التصويت السري المقررة عملية فرزه اليوم الأربعاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث لجأ الدبلوماسيون النمساويون إلى استخدام “الدبلوماسية الساخرة” لحشد التأييد عبر إرسال رسالة بسيطة للدول الأعضاء مفادها: “صوّتوا لنا لأننا لسنا الألمان”، وفقاً لما نقلته مجلة “Politico” وصحيفة “Die Presse” النمساوية.

طبيعة المنافسة الثلاثية والرهان البرتغالي المضمون

وتتنافس ثلاث دول من الاتحاد الأوروبي هي النمسا، وألمانيا، والبرتغال على مقعدين مخصصين لمجموعة دول غرب أوروبا ودول أخرى في أقوى هيئة أممية، وتُشير المعطيات الدبلوماسية إلى أن البرتغال حسمت مقعدها الأول تقريباً بفضل علاقاتها التاريخية والقوية مع الدول الناطقة باللغتين البرتغالية والإسبانية، مما ترك المقعد الثاني والآخير ساحة لمعركة كسر عظم حقيقية بين العملاق الاقتصادي الألماني والجمهورية النمساوية، اللذين يتمتعان بروابط ثقافية وتاريخية عميقة تشوبها التوترات بين الحين والآخر.

استراتيجية القوة الناعمة لألمانيا ومساعي ميرتس لإنقاذ مكانته

وفي إطار حملة الضغط المكثفة التي تقودها برلين بتوجيهات مباشرة من المستشار الألماني Friedrich Merz لتعزيز النفوذ الدولي واقتصاد الصادرات، سافر وزير الخارجية الألماني Johann Wadephul إلى نيويورك لحشد الأصوات، حيث عقد لقاءات ثنائية مع نحو 80 وزيراً وسفيراً منذ يوم الجمعة، مصرحاً بأن ألمانيا، باعتبارها ثالث أكبر اقتصاد في العالم، ترغب في ممارسة نفوذها لمواجهة الأزمات العالمية، كما استعانت برلين بالقوة الناعمة عبر إقامة حفل استقبال ضخم في ساحة الأمم المتحدة بنيويورك، وحصلت على دعم علني من رئيس الوزراء المجري Péter Magyar، وتكتسب هذه الانتخابات أهمية مصيرية للمستشار Friedrich Merz، كون الهزيمة ستعد انتكاسة دبلوماسية مؤلمة وإهانة سياسية داخلية تعمق من ضعف شعبيته، خاصة وأن برلين اعتادت الفوز بمقعد كل 8 سنوات.

المزايا النمساوية: الحياد العسكري، الترشح المبكر، والدبلوماسية الهادئة

في المقابل، يراهن الدبلوماسيون النمساويون على صغر حجم بلادهم النسبي كعنصر قوة وليس ضعف، وأوضح دبلوماسي نمساوي لـ”Politico” أن وضع النمسا كدولة محايدة عسكرياً وخارج حلف شمال الأطلسي (الناتو) يمنحها ميزة تفضيلية كبرى وقبولاً واسعاً لدى دول أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، لكونها تمثل توازن الحقوق بين جميع الدول وليس مصالح القوى الكبرى، من جانبه، أكد السفير النمساوي لدى الأمم المتحدة Gregor Kössler وجود كواليس معقدة وصعبة للغاية لاستقطاب المؤيدين، مشيراً إلى أن النمسا تمتلك ميزة أساسية أخرى وهي دخولها السباق قبل ألمانيا بعدة سنوات، مما يجعل فرصتها في الفوز واقعية للغاية، كما أكدت Staatssekretärin النمساوية والمستشار بذل قصارى جهودهم الدبلوماسية للفوز بالمقعد.

العوامل الحاسمة وجولات التصويت السري

يتطلب الفوز بالمقعد الحصول على أغلبية ثلثي الأصوات من أصل 191 دولة عضواً في الأمم المتحدة عبر جولات تصويت سرية تتيح للدول تغيير مواقفها حتى اللحظة الأخيرة، وتلعب عدة عوامل دوراً حاسماً ضد ألمانيا؛ أبرزها تصريحات Friedrich Merz السابقة المهينة للقانون الدولي في بداية الحرب في إيران، وتردد برلين في إدانة إسرائيل بسبب الضحايا المدنيين في غزة ولبنان، ورغم أن النمسا تعد تقليدياً من أقوى داعمي إسرائيل أوروبياً، إلا أن حيادها يمنحها مرونة أكبر، وفي محاولة أخيرة لإقناع الدول، أثار وزير الخارجية الألماني Johann Wadephul حفيظة الجانب النمساوي بتصريحه للصحفيين بأن العالم لا يريد دولتين أوروبيتين صغيرتين (البرتغال والنمسا) معاً في مجلس الأمن، معتبراً أن الخيار الأمثل للدول هو “النهج المختلط” بوجود دولة صغيرة وأخرى كبرى مثل ألمانيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى